الشنقيطي
190
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
والخطاب قيل للرسول صلى اللّه عليه وسلم . وأن ما في قوله : فما هي بمعنى من أي ، فمن الذي يكذبك بعد هذا البيان ، بمجيء الجزاء والحساب ليلقى كل جزاء عمله . قوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 ) [ 8 ] . السؤال كما تقدم في أَ لَمْ نَشْرَحْ [ الشرح : 1 ] ، أي للإثبات ، وهو سبحانه وتعالى بلا شك أحكم الحاكمين ، كما ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال : « اللهم بلى » « 1 » كما سيأتي . وأحكم الحاكمين ، قيل : أفعل تفضيل من الحكم أي أعدل الحاكمين ، كما في قوله تعالى : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) [ الكهف : 49 ] . وقيل : من الحكمة ، أي في الصنع والإتقان والخلق ، فيكون اللفظ مشتركا ، ولا يبعد أن يكون من المعنيين معا ، وإن كان هو في الحكم أظهر ، لأن الحكيم من الحكمة يجمع على الحكماء . فعلى القول بالأمرين : يكون من استعمال المشترك في معنييه معا ، وهو هنا لا تعارض بل هما متلازمان ، لأن الحكيم لا بد أن يعدل ، والعادل لا بد أن يكون حكيما يضع الأمور في مواضعها . وقد بين تعالى هذا المعنى في عدة مواطن كقوله تعالى : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص : 28 ] ، الجواب : لا ، وكقوله : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 21 ] ، وفي قوله ساءَ ما يَحْكُمُونَ بيان لعدم عدالتهم في الحكم ، وبعده عن الحكمة . ومعلوم أن عدم التسوية بينهم في مماتهم أنه بالبعث والجزاء ، فهو سبحانه أحكم الحاكمين في صنعه وخلقه . خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وأعدل الحكام في حكمه لم يسوّ بين المحسن والمسئ . وقد اتفق المفسرون على رواية الترمذي لحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في التفسير حديث 3347 .